14 ربيع الأول 1447هـ الموافق 7 أكتوبر 2025م
أطلق المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية دليلًا وطنيًا شاملًا للدعم النفسي في الكوارث، يهدف إلى ترسيخ مفهوم السلامة النفسية وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود والتكيف في مواجهة الأزمات. ويعد هذا الدليل خطوة استراتيجية تعكس تحولًا نوعيًا في طريقة التعامل مع الكوارث والأزمات، من التركيز على العلاج بعد وقوع الحدث إلى نهج استباقي وقائي يقوم على تعزيز الوعي النفسي والاستعداد المسبق وتكامل الجهود بين القطاعات المعنية.
جاء إعداد الدليل ليشكل مرجعًا وطنيًا يجمع بين المعرفة العلمية الدقيقة والخبرة الميدانية الواقعية، ويهدف إلى تمكين الممارسين النفسيين والعاملين في القطاعين الصحي والاجتماعي وفرق الطوارئ من امتلاك أدوات عملية تتيح لهم التعامل الفعّال مع الأزمات، وتقديم الدعم النفسي المستند إلى الأدلة، ويؤكد المركز أن الكوارث ليست مجرد أحداث طارئة بل تجارب إنسانية معقدة تهز الشعور بالأمان وتعيد تشكيل العلاقات والهويات المجتمعية، مما يجعل الحاجة ماسة إلى منظومة دعم نفسي واجتماعي قادرة على مواكبة المتغيرات الميدانية وحماية تماسك الأفراد والجماعات.
يقدم الدليل تصورًا متكاملًا لمرحلة ما بعد الكارثة، بدءًا من الفهم النفسي لتأثير الصدمات مرورًا بالتدخلات الميدانية والإسعافات الأولية النفسية، وصولًا إلى إعادة البناء النفسي والمعرفي للأفراد والمجتمعات. ويؤكد أن التدخلات النفسية ليست خدمات إضافية، بل جزء أساسي من الاستجابة الإنسانية الشاملة، إذ تسهم في احتواء الصدمة ومنع تطورها إلى اضطرابات مزمنة مثل القلق الحاد أو اضطراب الكرب ما بعد الصدمة، ويشير إلى أن التدخل المبكر يمكن أن يخفض معدلات الاضطرابات اللاحقة بما يصل إلى 60%، ويعزز فرص التعافي السريع واستعادة الأداء الاجتماعي والمهني.
ويبرز الدليل أهمية الإسعافات الأولية النفسية بوصفها استجابة مبكرة تسعى إلى إعادة الأمان والاستقرار الانفعالي للمتضررين بعد الكارثة، هذه الإسعافات تعتمد على مبادئ علمية أساسية تشمل السرعة في التدخل، القرب من موقع الحدث، بث الطمأنينة، وتبسيط التواصل مع الناجين، بما يساعدهم على تجاوز اللحظات الأولى من الصدمة دون أن يترسخ الخوف أو الإحباط في ذاكرتهم العاطفية. كما يقدم نموذج "RAPID" المعتمد من جامعة جونز هوبكنز بوصفه أحد أبرز النماذج العالمية في هذا المجال، إذ يركز على التقييم السريع، وبناء الثقة، وتقديم التدخلات المهدئة، ووضع خطة متابعة تضمن استمرار الدعم.
ويتناول الدليل أيضًا الأبعاد الإنسانية العميقة التي تلي الكوارث، حيث يوضح أن الفقد والحزن الناتجين عنها يتجاوزان الأثر المادي ليشكلا تجربة وجودية مؤلمة تتطلب تدخلًا نفسيًا متدرجًا ومنظمًا. ويقترح الدليل استراتيجيات لمساعدة المفجوعين على مواجهة مشاعر الألم والذنب والفراغ، مع دمج طقوس رمزية شخصية وجماعية تساعد على التكيف واستعادة التوازن الداخلي. ويركز على أهمية الاعتراف بالحزن الطبيعي وعدم الخلط بينه وبين الاكتئاب المرضي، مشيرًا إلى ضرورة التدريب المستمر للفرق الميدانية على التمييز بين الحالتين لتقديم الدعم المناسب في الوقت الملائم.
كما أولى الدليل اهتمامًا خاصًا بالأطفال والعائلات باعتبارهم من أكثر الفئات هشاشة أثناء الكوارث. وأكد أن فقدان الروتين اليومي والبيئة المألوفة يترك آثارًا نفسية عميقة على الطفل، تتجلى في الارتباك والانفصال العاطفي وصعوبة التكيف. لذلك أوصى بتدريب مقدمي الرعاية على استخدام لغة تفسيرية بسيطة ومطمئنة تساعد الطفل على فهم ما يحدث، مع تصميم أنشطة جماعية تدمج اللعب والتعبير الرمزي لتخفيف التوتر وتعزيز الإحساس بالأمان. كما دعا إلى إشراك المؤسسات التعليمية في جهود الدعم النفسي لما تمثله المدارس من بيئة مستقرة تساعد على إعادة التوازن العاطفي للأطفال بعد الأزمات.
وفي سياق متصل، شدد الدليل على ضرورة دمج الاعتبارات الثقافية في جميع مراحل الاستجابة النفسية، مشيرًا إلى أن الكفاءة الثقافية عنصر حاسم في نجاح برامج الدعم. فالتعامل مع مجتمع متنوع في عاداته وقيمه يستلزم فهم السياق المحلي واحترام المعتقدات الاجتماعية والدينية التي تشكل طريقة الأفراد في التعامل مع الصدمات. كما تضمن الدليل توصيات خاصة بكبار السن وذوي الإعاقات الجسدية والعقلية والمصابين باضطرابات نفسية مزمنة، مؤكدًا أن هذه الفئات تتطلب استجابات مخصصة تراعي خصوصيتها وظروفها.
ولم يغفل الدليل جانب رعاية العاملين في الميدان والمستجيبين الأوائل، إذ خصص فصولًا لتوضيح أساليب الحفاظ على صحة المساعدين النفسيين أثناء العمل في بيئات الكوارث، مؤكدًا أن تقديم الدعم الفعّال للآخرين يبدأ من الاهتمام بالنفس. وقد دعا إلى تبني ممارسات الاسترخاء والرعاية الذاتية، وتعزيز الدعم الجماعي بين أعضاء الفرق، والحرص على تبادل المساندة النفسية المتبادلة لتجنب الإرهاق والإنهاك العاطفي.
ويؤكد المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية أن هذا الدليل يشكل حجر أساس لبناء نموذج وطني متكامل يجعل من الاستجابة النفسية في الكوارث جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن الصحي والاجتماعي للمملكة. وهو يعبر عن رؤية متقدمة تسعى إلى تحويل الأزمات إلى فرص للتعافي والنمو، وإلى ترسيخ مفهوم الصمود النفسي المجتمعي بما يتسق مع توجهات رؤية المملكة 2030 التي تضع الإنسان ورفاهيته في صميم خطط التنمية.
بهذا الإصدار، يخطو المركز خطوة جديدة نحو تعزيز مكانة المملكة كمركز رائد في مجال الصحة النفسية الوقائية، ويؤسس لثقافة مهنية وإنسانية تجعل من الدعم النفسي مكونًا أساسيًا في إدارة الكوارث، ومن كل أزمة منطلقًا نحو بناء مجتمع أكثر تماسكًا وإنسانية.
وللاطلاع على الدليل وتحميله، يرجى زيارة الرابط التالي: الدليل
تاريخ النشر 2025-10-07 06:43:55
المشاهدات : 1591